ابن قيم الجوزية

289

الروح

كونها جسمانية على ما لا يتناهى فإذا قلت بذلك وافقت الرسل والعقل ودخلت مع زمرة المسلمين وفارقت العصبة المبطلين « 1 » . فصل [ الإدراك ] قولكم في الخامس : لو كانت القوة للعاقلة حالة في آلة جسمانية لوجب أن تكون دائمة الإدراك لتلك الآلة أو ممتنعة الإدراك لها . فهو مبني على أصلكم الفاسد أن الإدراك عبارة عن صورة مساوية للمدرك في القوة المدركة . ثم لو سلمنا لكم ذلك الأصل لم يفدكم شيئا فإن حصول تلك الصورة يكون شرطا لحصول الإدراك ، فأما أن يقول أو يقال أن الإدراك عين حصول تلك الصورة فهذا لا يقوله عاقل ، فلم لا يجوز أن يقال القوة العقلية حالة في جسم مخصوص ، ثم إن القوة الناطقة قد تحصل لها حالة إضافية تسعى بالشعور والإدراك فحينئذ تصير القوة العاقلة مدركة لتلك الآلة ، وقد لا توجد تلك الحالة الإضافية فتصير غافلة عنها ، وإذا كان هذا ممكنا سقطت تلك الشبهة رأسا . ثم نقول أتدعون أنا إذا عقلنا شيئا فإن الصورة الحاضرة في العقل مساوية لذلك المعقول من جميع الوجوه والاعتبارات أو لا يجب حصول هذه المساواة من جميع الوجوه . فالأول لا يقوله عاقل وهو أظهر من أن يحتج لفساده ، وإذا علم أنه لا تجب المساواة من جميع الوجوه لم يلزم من حدوث صورة أخرى في القلب أو الدماغ اجتماع الممثلين . وأيضا فالقوة العاقلة حالة في جوهر القلب أو الدماغ ، والصورة الحادثة حالة في القوة العاقلة ، فإحدى الصورتين محل القوة العاقلة ، وأيضا فنحن إذا رأينا المسافة الطويلة والبعد الممتد فهل يتوقف هذا الإبصار على ارتسام صورة المرثي في عين الرائي أو لا يتوقف ؟ فإن توقف لزم اجتماع المثلين ، لأن القوة الباصرة عندكم جسمانية فهي في محل له حجم ومقدار فإذا حصل فيه حجم المرئي ومقداره لزم اجتماع المثلين ، وإذا جاز هناك فلم يجوز مثله في مسألتنا ؟ وإذا كان إدراك الشيء لا يتوقف على حصول صورة المرئي في الرائي بطل قولكم أن إدراك القلب والدماغ يتوقف على حصول صورة القلب والدماغ في القوة العاقلة . وأيضا فقولكم لو كانت القوة العقلية حالة في جسم لوجب أن تكون دائمة

--> ( 1 ) أي أهل الجدل والفلاسفة .